‏إظهار الرسائل ذات التسميات Palestine. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Palestine. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 16 مايو 2014

على الكرسي البلاستيك البرتقالي ..

القدس - ٢٠١٣، تصوير هانيــة عَســوَد

قمت بكتابة هذه القصة القصيرة بالإستناد على مذكراتي الشخصية وبطلب من الصديقة رشا حلوة التي قامت بإعداد ملف خاص بمناسبة الذكرى الـ ٦٦ للنكبة لموقع "قل" حيث شارك به عدد من الكتاب والناشطيين الفلسطيين وآخرين من الوطن العربي
http://qoll.org/UI/Front/Inner.aspx?Aid=718#.U3arfPmSzJI 

هانيــــة عَســـــوَد


"إستني هون" .. أشار إلى مقعد بلاستيك برتقالي اللون حيث أجلس الآن ومنذ ربع ساعة مأخودة مع أفكاري وذكرياتي في وسط "معبر اللنبي."    

"طولتي عليي يا إمي."  هكذا أنهت والدتي مكالمتها معي مساء أمس (كما في العديد من المرات) .. لكن صوتها الحنون، أصابني في الصميم هذه المرة وشعرت بذنبٍ وبالحنين. أفقت من النوم هذا الصباح، وأخذت قراراً سريعاً بزيارتها حتى ولو ليوم واحد .. لديها حق، فأنا لم أرها منذ أكثر من شهرين.  جهزت نفسي وشنطتي خلال ربع ساعة .. لن آخذ معي أكثر من حقيبة الظهر الصغيرة.

وبينما أجلس الآن على هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي، تذكرت زيارتي الأخيرة قبل شهرين .. فبعد أن أنهيت كل المعاملات في الجانب الأردني بسرعة، تحرك الباص وأنا كلي فرحاً .. عدم وجود زحام وعدم وجود شنط يعني أن الوقت إلى جانبي وسأصل رام الله هذه المرة "ولسة الدنيا نهار وفضى".  وصلنا الجانب الإسرائيلي أو مايسمى بـ "معبر اللنبي" .. دخلت إلى مبنى المعبر حيث البوابة الإلكترونية المعقدة جداً لفحص الحقائب اليدوية والبشر.  مررت عن البوابة ولم يصدر عنها أي صوت .. وما أن حملت شنطتي إستعداداً للإنطلاق نحو المرحلة التالية سمعت صوت من خلفي:  "هيي إنتي .. تعالي معي."  نظرت إلى الخلف فرأيت فتاة لا تتجاوز الـ 20 عاماً ترتدي بلوزة بيضاء قطنية وسروالاً من الجينز وبالتالي بدت لي كأي مسافرة أخرى .. "شو يعني تعالي معي؟ مين إنتي؟" .. لكن قبل أن أنهي جملتي، رأيت يدها تمتد إلى مسدس صغير على خاصرتها .. إبتسمت وقلت: "آآآه، ماشي، بس شو في؟"  لم ترد على سؤالي.  مشت أمامي ثم توقفت أمام غرفة صغيرة، بثلاثة حيطان وبوابة من قماش.  "إتركي أغراضك بره وفوتي .. تفتيش شخصي." 

في غرفة التفتيش "الشخصي"، سألتها:
- "بدك أشلح كل أواعيي؟"
- "لا بس البلوزة والبطلون"
- علا وجهي إبتسامة سخرية وقرف .. "عموماً ما عندي مشكلة أشلح .. وإنتي عارفة أصلاً إنه ما معي شي .. الماكنة ما إتنفست أصلاً!"
لم تجد في جعبتها ما تقول؛ أنهت التفتيش .. أوقفتني لمدة ساعة قبل أن تعيد لي جوازي لأكمل رحلة العذاب المستمرة .. تماماً كما هذه. 

"إتركي أغراضك بره وفوتي .. تفتيش شخصي .. إستني هون" ... ما تزال هذه الجمل قادرة - في كل مرة أسمعها - لإعادتي ثلاثون عاماً إلى الوراء، حيث عشت نفس الأحدث تكراراً - كمشاهدة وشاهدة -  على مدار 5 سنوات متتالية، في هذه النقطة الحدودية (رغم تغيّر تفاصيلها)، يحدث مع والدتي؛ وفي نهاية كل مرة، كنّا نعود أدراجنا إلى رام الله بحجة أنها ممنوعه من السفر.  في تلك الأيام كان المعبر معقداً ومرهقاً بكل تفاصيله التي لربما تغيرت شكلياً على مدار السنوات الماضية، لكن القهر والظلم والإضطهاد ما زالوا بنفس الدرجة من الدونية - دونية المحتل - والتي أبداً لم تتعدل، حتى في "أشهر العسل" - كما توهم البعض -  تلك التي حضنت عملية السلام وأوسلو. 

الوقت يمضى وما أزال هنا، على هذا الكرسي البلاستيك البادر والقبيح - رغم أنني أحب اللون البرتقالي - وأشاهد الناس تتراكض أمامي من مرحلة إلى أخرى في المعبر، متأملين الوصول إلى بيوتهم "عالبدري."  منذ أن أصبح أهل الضفة الغربية يعيشون في كنتونات شبه منفصله بسبب الزيادة المنتظمة في المستوطنات والحواجز العسكرية، يفضل الأغلبية من الناس السفر براً خلال النهار "وعالفضى"، ليس فقط لأن المسافات أصبحت أطول بسبب الطرق الإلتفافية التي توفر الأمن للمستوطنين داخل أراضي الضفة، أو التأخير الذي قد يطرأ على الحواجز لأي سبب من قبل جنود الإحتلال، وإنما أيضاً لأن السفر لم يعد آمناً .. فقد يتعرض أي شخص للخطر بسبب أن أحد المستوطنين قد طرأ في باله أن يدّعي الجنون ويفتح النار من رشاشه على السيارات الفلسطينية أو على المارة أو أي شيء يتحرك بالليل.  ثم وهناك "الجدار" .. ذلك الشيئ الرمادي القبيح، الممتد من أقصى جنوب الضفة وحتى أقصى شمالها ليفصل ما بين "دولة إسرائيل" وكل ما عداها .. ليس بإستطاعتي أن أقول "الجدار الذي يفصل بين الدولتين" .. فليس هناك دولة أخرى.  وللجدار هذا بوابات تقفل - عادة في الليل - على البعض من مناطق وقرى شمال الضفة الغربية ... وقد تغلق أيضاً في أي ساعة من ساعات النهار لأي سبب يراه جنود الإحتلال بإنه مبرر كافي للقيام بذلك. 

ما زلت هنا طبعاً .. على هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي .. آه كم أتمنى لو أنني عشت في بدايات الستينات - كما أمي - حين كانوا يستطيعون السفر إلى ومن الأردن وسوريا ولبنان وما بعد بسياراتهم الخاصة ودون أية مشقة .. تماماً كما يعبر أهل فرنسا إلى بلجيكا هذه الأيام.  ما زلت أذكر الغيرة تملؤني وأنا أستمع لأمي وخالاتي يخبرنني عن سهرات رأس السنة في بيروت، ورحلات نهاية الأسبوع إلى الشام، وسفرات الصيف إلى تركيا في سيارة إحدى الصديقات.  "معقول؟ أو هكذا كنت أفكر في حينها."  أما اليوم، فلم يعد للشك أن يتملكني ولا للمفاجأة أن ترهقني وأنا أتذكر ذكريات أمي و"كيف كانت الدنيا قبل الـ 67."  فأنا - ومنذ منتصف التسعينات - أرى الغيرة والألم في أعين الكثير من الشباب والشابات - من أهل الضفة وغزة - اللذين ولدوا في بدايات التسعينات وبعد ذلك.  لن أنسى رند .. صديقتي الجميلة الأصغر مني "بكمشة سنوات" .. والحزن الذي ملأ كل ملامحها - وقلبها بالتأكيد - وأنا أخبرها يوماً بأنني زرت كل فلسطين التاريخية منذ طفولتي، وبأنه حتى بداية التسعينات كان في رام الله موقفاً لحافلات رام الله–القدس ولتكسيات رام الله-غزة.  رند وحتى وصولها إلى الجامعه، لم تكن قد زارت القدس التي تبعد عن رام الله 15 دقيقة، أو هكذا كانت قبل أوسلو وتقسيم الأرض والحواجز والمعابر  والجدار. 

منذ أوسلو، أصبحنا غير قادرين على السفر إلى ومن رام الله (أو أي مدينة أخرى) عبر القدس كما كان الحال حتى منتصف التسعينات.  لكن العبور بمحاذاة القدس يكفيني - في كل مرة - لأن أتنفس هوائها .. لأنه أشم روائح بهاراتها وزعترها وزيتونها في "سوق العطارين" .. لأن أستحضر طعم الصفيحة الأرمنية والسجق في "حارة الأرمن" .. وأستمتع بجمال الحلي والأحجار الكريمة الملونة، والملابس المطرزة في "حارة النصارى" .. لأن أمتلئ بالخشوع وأنا أزور "المسجد الأقصى" وأضيء شمعه وأستمتع بعبق البخور في "كنيسة القيامة" .. ولأن أشعر بالدفئ وعيناي ملئى بالدموع وأنا أنثر الروزماري (أو إكليل الجبل) على قبر "ستي وسيدي" بجوار  "باب الرحمة."  فالقدس هي مدينة ميلادي وطفولتي وبداية شبابي .. حيث تنفست رئتاي الهواء لأول مرة، وشهدتْ السماء والآلهة تعاطيي مع محيطي الدنيوي وكل من كان حولي حينها لأول مرة، وحيث أضعت أمي يوماً لساعات لأول مرة، ولربما حيث عشت "حب المراهقة" لأول مرة. 

تؤرقني وتوجعني وصية أمي الوحيدة .. تلك التي رمتها في وجهي كما الصاعقة قبل سنوات؛
- وصيتي بس إنك تدفنيني جنب إمي وأبوي وأهلي .. في القدس.
- شو بتحكي إمي!! بشرفك بلاش هيك وصية .. يمكن ما أقدر وإنتي نفسك عارفة قديش صعب، ويمكن مستحيل.  كيف بدي أقدر أنقلك بعد عمر طويل إن شاء الله للقدس؟ وبعدين في حد ضامن كيف الأوضاع تبقى وقتها؟ مش يمكن حتى أسوأ من هلا؟ 

أصبحت أكرهه فعلاً .. هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي، فأنا ما زلت هنا؛ لكن هذه المرة يأخذني الحلم وأتخيلني وسط حقول جدي (من أبي) الممتدة في قرية "بيت دجن" بالقرب من يافا .. حقول البرتقال والليمون والبطيخ .. تلك القرية التي تحول جزءاً كبيراً من أراضيها إلى شارع رئيسي يتمد ما بين يافا / تل أبيب والقدس بعد أن دمرت الأغلبية من بساتينها وأشجارها في محاولة لمحو التاريخ.  لم يستطيع جدي بعد الهجرة أن يعيش في محيط المخيم .. عاد من الأردن في بداية الستنيات وعاش في أريحا يعمل في بساتين الحمضيات ويزرع أرضه الصغيرة فيها .. ولم يعد إلى بيت دجن منذ غادرها في الـ 48.  كيف أمكنهم إقتلاع مجتمعات كاملة من أمهم الأرض .. الأرض التي كانوا يرونها إمتداداً لأجسادهم وأرواحهم .. بعُرف من؟  عموماً، طوبى لمن رحل .. فعاش ومات في الحلم؛  .. وطوبى لمن بقي .. لحماة الأرض "فلسطيينة الـ 48" الذين ما يزالو حتى اليوم يقفون شاهداً كنبتة الصبار المنغرسة في حلوقهم وذاكرتهم.  فليسقط الإحتلال ولتسقط أوسلوا وليسقط الحضارة والتحضر فعلاً.  

"لإيمتى راح بيضل الفلسطيين يقولوا: ياااه قديش كلشي إتغير وصار أسوأ، ووجعنا كبر، وجرحنا صار أعمق بعد ....؟  بعد النكبة والـ 48، بعد حرب الست أيام والـ 67، بعد أيلول الأسود، بعد إجتياح بيروت، بعد ما رحنا على تونس، بعد الإنتفاضة الأولى، بعد أوسلو، بعد الإجتياح والإنتفاضة التانية (غالباً نسيت أحداث) .. إنه طيب شو ضايل؟ .. وشو اللي لسة جاي؟ .. من وقت النكبة وإحنا كل يوم بنعيشه مليان نكبات!!" 

رأيته مقبلاً عليّ وفي يده جواز سفري .. إنفرجت أساريري، فأخيراً سأغادر هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي.  حملت حقيبة ظهري وإتجهت صوب جثته الضخمة الباردة، سلمني إياه وقال: مع السلامة.  لم أنظر إليه ولم أجد في جعبتي ما أرد به عليه، وإنطلقت في مساري بإتجاه المحطتين النهائيتين من المعبر.  

الاثنين، 13 مايو 2002

And this is not Jenin


By: Hania Aswad
Written after the Israeli reoccupation of Palestinian Authority Areas in the West Bank; May 2002

Dear Friends and Supporters,
I thought of sharing my thoughts and feelings with you on my second day at the office, Canada Fund, which fortunately still exists.

After weeks under curfew, I got out of the house yesterday around 10:00am feeling numb.  I went first to Al Quds Educational Television which is a block away from my house and where Ayman, my partner, works.  The building of the TV used to be the ‘Hilton’ of Ramallah during the 1960's.   It's a big building with a huge garden surrounding it.  For years, it has been part of Al Quds University properties and contains both the Nursing College and the Modern Media Institute which is the Mother organization of al Quds Educational TV station.  

Since the fourth day of the ‘reoccupation’, the Israeli Occupation Army took over the building and used it as their base.  More than 20 tanks were inside the walls of the premises almost all the time and snipers were on the rooftop of the building day and night.  The neighbours said, the first day the Army arrived to the Building they went into their homes and threatened them that if anyone looks through their windows their heads will be immediately blown.  The building was also used as a prison and interrogation base.

As I walked into the building, there were bullet holes everywhere.  There was lots of garbage all around the garden; smelly garbage in piles.  I went upstairs to the third floor where the TV station is and I saw everything on the ground, everything; papers, computer monitors, tapes and photographs, everything.  The first thing that shocked me was a board written on it in Hebrew: “Orders: 1) eat, 2) drink and 3) destroy.” They, the Israeli "Defense Forces" (as they are identified) have really destroyed the place and stolen lots of the equipment; six cameras, all the hard disc's of the computers, and many other.  I believe they should proudly call themselves the “Army of Israeli Killers and Thieves.”  I was totally speechless; I could say nothing to anyone there including Ayman who is the Director of the TV station.  It’s a big loss.  At one of the offices where Binaz Batrawi works (Binaz is the Coordinator of Gender Department at the Institute) I saw a photograph of Binaz and Tamar, her 4-year old daughter, hugging each other hanging on the wall.  One of the soldiers had cut the photo in an X shape.  On many of the boards downstairs there were different writings in Hebrew; two of the most repeated ones were "Arabs should die" and "Arafat is a dead man."

I left the building feeling nothing at all, not even numb.  I wanted to go to my office but I could not stop myself from driving around the City.  I saw many smashed cars (stepped over by tanks), lots destroyed electricity and phone lines, bombed doors (many office buildings including the Municipality Building’s door); the city is very dusty and garbage is everywhere.  I passed through the ‘Sakakini Cultural Center’ which is one of those old beautiful renovated house of Ramalla; all windows were glassless and doors were broken.  The Israeli Army paid a visit to Sakakini, which also hosts Mahmoud Darwish’s Office, few days ago, messed the place up and stole lots of documents, old books and drawings. 

I arrived to my office’s building and got up stairs to our floor.  As I entered, the corridor looked like my images of Beirut during the 1982 siege.  All offices' doors were blown off, glass was scattered everywhere, ceiling and walls covered with massive amount of bullet holes, very strong smell of blood, dried blood on the walls and the floor and broad streaks of blood at the corridor floor shows the trace of 5 bodies dragged out for burial few days ago.  In our Building’s corridor there were five unarmed Palestinian Policemen (all above 50 years old) who were executed by the Israeli Occupation Army during the first week of the reoccupation of Ramallah.  

This is how it looks outside our office’s door, this is what we have to remember every time we are in and out of it, this is what we dreamt last night and will probably dream of for some time. 

I just can’t but think; and this is not Jenin!!!!

Now I am at the office and we are sitting here, Kirsty and I, thinking that we have to work but it just seems so difficult to function or to concentrate.  The Israeli tanks are only few meters away; they can easily come back at any minute they wish to do anything and everything they choose.  It just does not feel right; it does not feel safe, and does not seem that it will be safe for some time especially after seeing Sharon on the TV yesterday, addressing the World and stating proudly that they have successfully completed the “first round” of their operation against “Palestinian Terrorist and Terrorism.”

Please see http://en.wikipedia.org/wiki/Operation_Defensive_Shield