الاثنين، 2 يونيو 2014

أوروبا تنتخب .. سلفية الغرب

بصراحة إنصدمت وما إنصدمت من فكرة إنه نتائج الإنتخابات في أغلب الدول الأوروبية لعام 2014 فاز فيها اليمين.  وأول شيء خطر ببالي هو إنه إحنا العرب وقاطني الوطن العربي من غير العرب، بجد بنجلد حالنا أكتر من اللزوم وبنفكر إنه ما حد عنده مصايب ومتخلف زينا.  وما في عدل بالهالشيء لأنه لو أوروبا بأغلبيتها بتختار اليمين في 2014، يبقى بصراحة ما في حد أسوأ أو أحسن من حد ..

إتذكرت نقاش دار من شي أسبوعين (يعني قبل الإنتخابات) مع عدد من الأصدقاء واللي بدا بشكل أساسي بفكرة قديش "المجتمعات العربية" مُساقة ومُهادنة والحديث كان بيخص الأغلبيات ومن غير نفي وجود أشخاص بتفكر وبتعمل بشكل مختلف.  طبعاً بما إني الشخص المشاغب - كما العادة -، كان رأيي إنه الجملة مجحفة بحقنا لأنه الإنسياق والمهادنة ممكن يبقوا سمة موجودة لدى الأغلبيات في كافة الشعوب ومش بس الشعوب العربية وفي أسباب لهيك.  ردهم عليي كان: "إنه ما فينك تساوي بين الشعوب الأوروبية والشعوب العربية أو غيرهم من العالم الثالث.  بالآخر أوروبا مثلا دخلت بمية مرحلة ساعدت على تطوير الفرد الأوروبي بالإضافة للقوانين والنظم الحياتية اللي بتخليهم بالتأكيد أحسن مننا .. من الثورة الصناعية للنهضة لـ ولـ ولـ .."

بيحضرني هلا مسرحية "عدو الشعب" للمخرجة نورا أمين والمأخوذة من نص للكاتب "توماس إبسن" اللي حضرتها في ديسمبر 2012 في القاهرة.  المفهموم أو المفاهيم اللي طرحتها المسرحية - أو على الأقل بإستقرائي الشخصي -، همه؛ الأولى: فكرة الأقلية الواعية من الشعب مقابل الأغلبية غير الواعية، من هم الطرفين، مستوى سلطة وقوة كل منهما، المصالح اللي بتأثر على دور وأداء وسلطة كل منهم، أثر كل طرف على الآخر، إلخ.  والثانية هي قدرة الطبقة الحاكمة / أصحاب النفوذ بأي مكان لإستغلال الأغلبية غير الواعية لمصالحها.  واللي برضه ذكرني بوقتها بما أتى على لسان قائد المعارضة برواية "1984" للكاتب البريطاني جورج أورويل اللي بيقول فيها: "من غير المستحب أن تمتلك (الطبقة العاملة) مشاعر سياسية قوية، فكل ماهو مطلوب منهم تملك روح وطنية بدائية يمكن استدعاؤها كلما كان ذلك ضرورياً لجعلهم يقبلون بساعات عمل أطول أو بحصص أصغر من الإعاشة، وحتى عندما بنتابهم السخط كما يحصل في بعض الأحيان، فإن ذلك لن يجديهم نفعاً، لانه من دون أفكار عامة لايسعهم التركيز على مظالم صغيرة، وتفوتهم ملاحظة الشرور الأكبر."
وتعريف "الأغلبية غير الواعية" ما بيشمل من وجهة نظري - بالضرورة -  الناس من "العامة" و "غير المتعلمين" أو أصحاب الدخل المتدني مثلاً، لا، وكمان ممكن يشمل في كتير من الأحيان، العديد من الناس "المتعلمة" ومن كافة الطبقات.  بالإضافة لأنه "الأقلية الواعية"، مش بالضرورة هي "أقلية فاعله بشكلٍ حرّ وإيجابي"؛ لأنهم ممكن مع الوقت أو بحسب الظروف يتواطئو - بوعي أو دون وعي - مع الأغلبية أو مع الطبقة الحاكمة لجعل الأقلية الواعية أقلية الأقليات.
طلعت يومها من المسرحية وأنا حاسة بتقل على صدري وقلق كبير ومرارة متجددة من أنه اللي إجى بالمسرحية هو الحقيقة المرة اللي بنعيشها في كل مكان على هذا الكوكب. 

سواءاً بالعلاقة مع نتائج الإنتخابات أو تباعاً للنقاش اللي صار مع أصدقائي اللي بحبهم وبحترمهم بالتأكيد، أو بالعلاقة مع "عقدة تفوق وفوقية الأبيض والأجنبي" السائدة والمتفشية فينا وفي مجتمعاتنا، أو أو أو ..  عندي تلات نقاط بحب أطرحهم؛

1) مبدئياً .. إحنا حقيقي مش مضطرين نقارن حالنا كل الوقت بالآخرين علشان نقيس وين إحنا.  وصدقاً أنا ما بشوف أصحية وأهمية إننا نقيس الأشياء بناءاً على عمل المقارنات فقط، بس لو بدنا نعمل هيك يا ريت نفكر بالآتي:
أغلب المقارنات - سواءاً على المستوى الرسمي أو من قبل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية أو من قبل الأفراد - بتصير بناءاً على معايير مغلفة ومحددة مسبقاً، وعلى النمطية والفكر السائد اللي بيوصلنا من الإعلام الأوروبي والعالمي - اللي بأغلبيته - مُوجه من قبل أصحاب القرار والسياسيين والمتمكنين من رجال الدين والإقتصاد الأوروبيين وغيرهم.  في كتير تفاصيل في واقع الدول الأوروبية وأداء المجتمعات والأفراد سواءاً في بلادهم ولا خارجها بيختلف كتير عن الصورة المصدرة إلنا ولغيرنا عن العالم الأول.  بالإضافة لأنه كتير من هالفكر السائد مربوط "بفكر العولمة الكاملة" واللي في كتير ناس - بأوروبا وبكل العالم حتى بالوطن العربي - عم بترفضه.

أخلاقياً وعلمياً .. برأيي الشخصي، المقارنات اللي بتنبنى على قياس التفاصيل ممكنة وفيها عدل لما بتنعمل داخل بلد واحد أو بين مجموعة بلاد بتحظى بمعطيات أساسية متشابهة (وبرضه بتحفظ).  لكن القياس والمقارنة بين الدول والشعوب اللي ما بتحظى بنفس المعطيات الأساسية، مش ممكن يبقى صح أو حقيقي أو عادل لو صارت المقارنة بينها بناءاً على التفاصيل.  بالتأكيد إنه في كمّ كبير من المعطيات الأساسية بتختلف كتير بينا وبين أوروبا، نوع المشاكل اللي عندنا بتختلف عن نوع المشاكل بأوروبا .. الثقافة السائدة بتختلف، القوانين بتختلف، مستوى التعليم بيختلف .. كمّ الموارد والحقوق بتختلف، دور كل بلد على المستوى السياسي العالمي والتدخلات السياسية الخارجية فيهم بتختلف، إلخ.
لو بدنا نعمل مقارنة، فالأجدى إنها ما تبقى مبنية على التفاصيل الصغيرة وتباعاً للإطار الضيق تبع "إحنا وين وهمه وين؟"  وبالتالي بيبقى الأصح والأكثر عدلاً هو إننا نعمل المقارنة بإطار إمكانياتهم، والمسارات المختلفة اللي مرّوا فيها والأشياء اللي حققوها والفكرة السائدة اللي بيصدروها كعالم أول ووين وصلوا هلا .. مقابل إمكانياتنا ومساراتنا وشو حققنا والفكرة السائدة اللي للأسف إحنا بنساعد كل الوقت على تصديرها، ووين إحنا هلا .. ولو كل الوقت فكرنا هيك بنلاقي إنه كل حد فينا عنده مشاكلة وتحدياته زي ما عنده إمكانياته ونجاحاته .. بإطار معطياته وظروفه وواقعه.  وعليه وبناءاً على إبسن وأورويل وكثير غيرهم، فالأغلبيات بالشعوب الأوروبية أو شعوب العالم الأول، مش أكثر وعياً ولا بالضرورة أقل إنسياقاً ومهادنة من الأغلبيات في الشعوب العربية أو غيرها من شعوب العالم التالت - ماخدين بعين الإعتبار الكثير من الفروقات اللي بتخص كل مكان وشعب لحاله. 

وعوماً أنا بحترم بإنه الشعوب بتعيش مساراتها لتعبر من مرحلة لأخرى.  ولهيك أنا بقدر جداً المسارات المختلفة اللي عاشتها أوروبا واللي نقلتها للنهضة اللي كانت فيها من سنوات يمكن لحد بداية دخول العولمة.  بس هالشيء ما بيعني إنه لازم وبالضرورة كل الشعوب تمشي بنفس المسارات لتقدر توصل اللي وصلته أوروبا رغم قناعتي برضه إنه في كتير أشياء بنقدر نتعلمها من كل الشعوب ومساراتهم، سواءاً بالعالم الأول أو الثالث. 

2) منطقياً .. أنا بالتأكيد مقتنعه بإنه نجاح اليمين في أوروبا هو تابع لعدد من المسارات اللي عاشتها هاي المجتمعات من ناحية - مثل تظاهرات المهاجرين في فرنسا -، بالإضافة لإنها بالتأكيد تأثرت بأحداث وتفاصيل مجتمعات تانية - مثل سبتمبر 11 -.  وبإطار إنه هاي المجتمعات عاشت لمدة سنوات طويلة تنعم بقوانين بتحمي حقوق الإنسان على مستويات متعددة، بالإضافة لوجود نظم وقوانين للمسائلة والمحاسبة وحكومات فيها تعددية وحوار وعليه بيطور إفتراض عند الجميع بوجود مستوى أكبر من الوعي والتقدم وبالتالي نتائج أفضل على مستوى إنتخابات 2014 وبالتأكيد أداء أفضل على مستوى كتير من الإشكاليات الداخلية.

وموضوعياً .. لو بدي آخد بس مثل الأحداث الداخلية وتحديداً بإطار تنامي التحفظ اللي بيوصل للكره والرفض للمهاجرين في الكثير من المجتمعات الأوروبية واللي مبرر بفكرة إنه المهاجرين فاسدين وحرامية ومش متعلمين وبيشتغلوا بالمخدرات والشحدة، و و ..  يعني ممكن أفهم إنه هالشيء ممكن يتطور مع الوقت في دولة ما عندها أمكانيات وظروفها السياسية والإقتصادية حرجة أو صعبة.  بس لما دول العالم الأول بيفتحوا أبوابهم للمهاجرين سواءاً العرب ولا الأعراق والجنسيات الأخرى وبيستقبلوهم في بلادهم، برضه بيبقى التوقع إنه في خطة واضحة عند هاي الدول المتقدمة لكيف بدها تدمج هدول المهاجرين واللاجئين (كأغلبية ومش كحالات فردية) في مجتمعاتهم، آخدين بعين الإعتبار التفاوت بين خلفيات المهاجرين أنفسهم.  وفي توقع إنه زي الملايين اللي عم بيصرفها الإتحاد الأوروبي وصناديق الدول هاي على مشاريع "خلق فرص عمل" في دول تانية، إنهم بالمقابل راح يصرفوا مبالغ لخلق برامج تدريب وتأهيل وفرص عمل وتعليم لكل المهاجرين بدل من تخصيص مبالغ عم بتصرف كاش أو بخدمات (مستوى تالت وخامس) بدل هجرتهم وهمه قاعدين في بيوتهم اللي بأغلبيتها بتبقى بتجمعات سكنية محدد لهم.  تلقائياً بيصير من السهل إنه يتعزز عند كثير من المهاجرين، الإتكالية والتقوقع وعدم الحاجة للإنخراط في المجتمع والعمل لإيجاد الدخل والإنتاجية.  وبرضه ممكن أفهم إنه في نسبة من المهاجرين يلاقوا هادا النوع من الحياة أسهل أو أفضل بس بالتأكيد مش الأغلبيات الفقيرة من المهجرين في أوروبا اللي عايشة بأوضاع (مش بس إقتصادية) سيئة ومتدنية ووصل الحال فيهم لأنهم يبقوا سبب في نجاح اليمين في أوروبا لأنهم برأي الكتير من الأوروبيين بيشكلوا تهديد على ثقافة وأمان المجتمعات والدول.   بس لو دول العالم الأول ما عندها خطط ومصاري وبرامج واضحة لتوفير فرص حياة كريمة للمهاجرين اللي فتحتلهم أبوابها، ليش إذاً فتحت أبوابها للمهاجرين؟ هل هو علشان يبقى إلهم وزن في اللعبة السياسية اللي بتخص بلد المهاجرين مثلاً؟ ولا نخوة إنسانية وهلا صاروا بورطة ومش عارفين يحلوها؟ 

3) أخيراً وبكل المعايير السابقة .. وبرغم من إني مقتنعه تماماً بإنه منطقتنا فيها إشكاليات كبيرة على المستوى الثقافي الإجتماعي اللي مبنية على نظم ومبادئ وعادات مرسخة وصعب تغييرها، أنا كمان مقتنعه إنه شعوب المنطقة وأجزاء من ثقافاتهم فيها الكتير من الإيجابيات والزخم اللي ممكن ينبنى عليه ويتطور.  منيح يبقى في ثقة فينا وفي المسارات اللي بتخصنا سواءاً كمنطقة أو كدول منفصلة، إننا نبقى قادرين ننتقد الغلط ونعزز الصح والتفاصيل الإيجابية ولما بنعمل أي مقارنة نبقى بنعملها بوعي وبعدل أكثر إلنا كما للآخرين.
 
ومثل ما هو مهم إننا نشوف التفاصيل الصغيرة اللي بتخصنا ونقيمهم ونقيسهم بإطار معاييرنا ومعطياتنا ونشتغل على تغييرهم، برضه كتير مهم إننا نشوف الصورة الأكبر ونحط التفاصيل في مكانها الأصح ونشوف ونقيم من أكتر من زاوية ومش بس من زاوية النمطية والخطاب السائد وفكر العولمة والإعلام الرسمي والمُوجه في كل العالم. 

والأهم من هيك، إننا  ما نضل نقلل من أنفسنا ومحيطنا ومحاولاتنا برغم قلة الموارد والأوضاع الصعبة على كتير مستويات ونشوف الآخر "الأبيض" أهم وأحسن منّا بشكل مطلق. 

الأربعاء، 28 مايو 2014

لم لا نحلم! ..

قمر فضي مكتمل - عمان؛ مايو 2014 - تصوير هانيــة عَسـوَد


هانيـــة عَســـوَد

اللوتس ينمو على سطحِ النيلِ منْ جديدْ .. يصلُ عبقهُ السماءُ
فتنشقُ طبقاتها سامحةً لنقاءِ قدسيتها أنْ تنتقلَ
لتسكنَ قلوبَ البشرِ وضمائرهم. 

لحظات .. ونسمعُ وقعَ أقدامٍ فوقَ الماءِ تنقرُ موسيقى عذبة تخترقُ الصمتَ
سامحةً لإنعكاسِ القمرِ الفضيّ المكتملِ أنْ يسحلَ أرواحنا
ليعودُ الرقصُ الغجريُّ بجرأةٍ توقظُ الشمسَ فينا.

ندقُ الأرضَ .. فتخضرُّ أكثرَ 
وتزهرُ في نفوسِنا وطقوسِنا لهفةَ مولودٍ جديدٍ يبحث عن أساسيات الحياة ..
نتذوق طعمها، 
نفهم قيمتها 
نقدسها .. 
فنحفظها ونحافظ عليها.

28/5/2014

الجمعة، 16 مايو 2014

على الكرسي البلاستيك البرتقالي ..

القدس - ٢٠١٣، تصوير هانيــة عَســوَد

قمت بكتابة هذه القصة القصيرة بالإستناد على مذكراتي الشخصية وبطلب من الصديقة رشا حلوة التي قامت بإعداد ملف خاص بمناسبة الذكرى الـ ٦٦ للنكبة لموقع "قل" حيث شارك به عدد من الكتاب والناشطيين الفلسطيين وآخرين من الوطن العربي
http://qoll.org/UI/Front/Inner.aspx?Aid=718#.U3arfPmSzJI 

هانيــــة عَســـــوَد


"إستني هون" .. أشار إلى مقعد بلاستيك برتقالي اللون حيث أجلس الآن ومنذ ربع ساعة مأخودة مع أفكاري وذكرياتي في وسط "معبر اللنبي."    

"طولتي عليي يا إمي."  هكذا أنهت والدتي مكالمتها معي مساء أمس (كما في العديد من المرات) .. لكن صوتها الحنون، أصابني في الصميم هذه المرة وشعرت بذنبٍ وبالحنين. أفقت من النوم هذا الصباح، وأخذت قراراً سريعاً بزيارتها حتى ولو ليوم واحد .. لديها حق، فأنا لم أرها منذ أكثر من شهرين.  جهزت نفسي وشنطتي خلال ربع ساعة .. لن آخذ معي أكثر من حقيبة الظهر الصغيرة.

وبينما أجلس الآن على هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي، تذكرت زيارتي الأخيرة قبل شهرين .. فبعد أن أنهيت كل المعاملات في الجانب الأردني بسرعة، تحرك الباص وأنا كلي فرحاً .. عدم وجود زحام وعدم وجود شنط يعني أن الوقت إلى جانبي وسأصل رام الله هذه المرة "ولسة الدنيا نهار وفضى".  وصلنا الجانب الإسرائيلي أو مايسمى بـ "معبر اللنبي" .. دخلت إلى مبنى المعبر حيث البوابة الإلكترونية المعقدة جداً لفحص الحقائب اليدوية والبشر.  مررت عن البوابة ولم يصدر عنها أي صوت .. وما أن حملت شنطتي إستعداداً للإنطلاق نحو المرحلة التالية سمعت صوت من خلفي:  "هيي إنتي .. تعالي معي."  نظرت إلى الخلف فرأيت فتاة لا تتجاوز الـ 20 عاماً ترتدي بلوزة بيضاء قطنية وسروالاً من الجينز وبالتالي بدت لي كأي مسافرة أخرى .. "شو يعني تعالي معي؟ مين إنتي؟" .. لكن قبل أن أنهي جملتي، رأيت يدها تمتد إلى مسدس صغير على خاصرتها .. إبتسمت وقلت: "آآآه، ماشي، بس شو في؟"  لم ترد على سؤالي.  مشت أمامي ثم توقفت أمام غرفة صغيرة، بثلاثة حيطان وبوابة من قماش.  "إتركي أغراضك بره وفوتي .. تفتيش شخصي." 

في غرفة التفتيش "الشخصي"، سألتها:
- "بدك أشلح كل أواعيي؟"
- "لا بس البلوزة والبطلون"
- علا وجهي إبتسامة سخرية وقرف .. "عموماً ما عندي مشكلة أشلح .. وإنتي عارفة أصلاً إنه ما معي شي .. الماكنة ما إتنفست أصلاً!"
لم تجد في جعبتها ما تقول؛ أنهت التفتيش .. أوقفتني لمدة ساعة قبل أن تعيد لي جوازي لأكمل رحلة العذاب المستمرة .. تماماً كما هذه. 

"إتركي أغراضك بره وفوتي .. تفتيش شخصي .. إستني هون" ... ما تزال هذه الجمل قادرة - في كل مرة أسمعها - لإعادتي ثلاثون عاماً إلى الوراء، حيث عشت نفس الأحدث تكراراً - كمشاهدة وشاهدة -  على مدار 5 سنوات متتالية، في هذه النقطة الحدودية (رغم تغيّر تفاصيلها)، يحدث مع والدتي؛ وفي نهاية كل مرة، كنّا نعود أدراجنا إلى رام الله بحجة أنها ممنوعه من السفر.  في تلك الأيام كان المعبر معقداً ومرهقاً بكل تفاصيله التي لربما تغيرت شكلياً على مدار السنوات الماضية، لكن القهر والظلم والإضطهاد ما زالوا بنفس الدرجة من الدونية - دونية المحتل - والتي أبداً لم تتعدل، حتى في "أشهر العسل" - كما توهم البعض -  تلك التي حضنت عملية السلام وأوسلو. 

الوقت يمضى وما أزال هنا، على هذا الكرسي البلاستيك البادر والقبيح - رغم أنني أحب اللون البرتقالي - وأشاهد الناس تتراكض أمامي من مرحلة إلى أخرى في المعبر، متأملين الوصول إلى بيوتهم "عالبدري."  منذ أن أصبح أهل الضفة الغربية يعيشون في كنتونات شبه منفصله بسبب الزيادة المنتظمة في المستوطنات والحواجز العسكرية، يفضل الأغلبية من الناس السفر براً خلال النهار "وعالفضى"، ليس فقط لأن المسافات أصبحت أطول بسبب الطرق الإلتفافية التي توفر الأمن للمستوطنين داخل أراضي الضفة، أو التأخير الذي قد يطرأ على الحواجز لأي سبب من قبل جنود الإحتلال، وإنما أيضاً لأن السفر لم يعد آمناً .. فقد يتعرض أي شخص للخطر بسبب أن أحد المستوطنين قد طرأ في باله أن يدّعي الجنون ويفتح النار من رشاشه على السيارات الفلسطينية أو على المارة أو أي شيء يتحرك بالليل.  ثم وهناك "الجدار" .. ذلك الشيئ الرمادي القبيح، الممتد من أقصى جنوب الضفة وحتى أقصى شمالها ليفصل ما بين "دولة إسرائيل" وكل ما عداها .. ليس بإستطاعتي أن أقول "الجدار الذي يفصل بين الدولتين" .. فليس هناك دولة أخرى.  وللجدار هذا بوابات تقفل - عادة في الليل - على البعض من مناطق وقرى شمال الضفة الغربية ... وقد تغلق أيضاً في أي ساعة من ساعات النهار لأي سبب يراه جنود الإحتلال بإنه مبرر كافي للقيام بذلك. 

ما زلت هنا طبعاً .. على هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي .. آه كم أتمنى لو أنني عشت في بدايات الستينات - كما أمي - حين كانوا يستطيعون السفر إلى ومن الأردن وسوريا ولبنان وما بعد بسياراتهم الخاصة ودون أية مشقة .. تماماً كما يعبر أهل فرنسا إلى بلجيكا هذه الأيام.  ما زلت أذكر الغيرة تملؤني وأنا أستمع لأمي وخالاتي يخبرنني عن سهرات رأس السنة في بيروت، ورحلات نهاية الأسبوع إلى الشام، وسفرات الصيف إلى تركيا في سيارة إحدى الصديقات.  "معقول؟ أو هكذا كنت أفكر في حينها."  أما اليوم، فلم يعد للشك أن يتملكني ولا للمفاجأة أن ترهقني وأنا أتذكر ذكريات أمي و"كيف كانت الدنيا قبل الـ 67."  فأنا - ومنذ منتصف التسعينات - أرى الغيرة والألم في أعين الكثير من الشباب والشابات - من أهل الضفة وغزة - اللذين ولدوا في بدايات التسعينات وبعد ذلك.  لن أنسى رند .. صديقتي الجميلة الأصغر مني "بكمشة سنوات" .. والحزن الذي ملأ كل ملامحها - وقلبها بالتأكيد - وأنا أخبرها يوماً بأنني زرت كل فلسطين التاريخية منذ طفولتي، وبأنه حتى بداية التسعينات كان في رام الله موقفاً لحافلات رام الله–القدس ولتكسيات رام الله-غزة.  رند وحتى وصولها إلى الجامعه، لم تكن قد زارت القدس التي تبعد عن رام الله 15 دقيقة، أو هكذا كانت قبل أوسلو وتقسيم الأرض والحواجز والمعابر  والجدار. 

منذ أوسلو، أصبحنا غير قادرين على السفر إلى ومن رام الله (أو أي مدينة أخرى) عبر القدس كما كان الحال حتى منتصف التسعينات.  لكن العبور بمحاذاة القدس يكفيني - في كل مرة - لأن أتنفس هوائها .. لأنه أشم روائح بهاراتها وزعترها وزيتونها في "سوق العطارين" .. لأن أستحضر طعم الصفيحة الأرمنية والسجق في "حارة الأرمن" .. وأستمتع بجمال الحلي والأحجار الكريمة الملونة، والملابس المطرزة في "حارة النصارى" .. لأن أمتلئ بالخشوع وأنا أزور "المسجد الأقصى" وأضيء شمعه وأستمتع بعبق البخور في "كنيسة القيامة" .. ولأن أشعر بالدفئ وعيناي ملئى بالدموع وأنا أنثر الروزماري (أو إكليل الجبل) على قبر "ستي وسيدي" بجوار  "باب الرحمة."  فالقدس هي مدينة ميلادي وطفولتي وبداية شبابي .. حيث تنفست رئتاي الهواء لأول مرة، وشهدتْ السماء والآلهة تعاطيي مع محيطي الدنيوي وكل من كان حولي حينها لأول مرة، وحيث أضعت أمي يوماً لساعات لأول مرة، ولربما حيث عشت "حب المراهقة" لأول مرة. 

تؤرقني وتوجعني وصية أمي الوحيدة .. تلك التي رمتها في وجهي كما الصاعقة قبل سنوات؛
- وصيتي بس إنك تدفنيني جنب إمي وأبوي وأهلي .. في القدس.
- شو بتحكي إمي!! بشرفك بلاش هيك وصية .. يمكن ما أقدر وإنتي نفسك عارفة قديش صعب، ويمكن مستحيل.  كيف بدي أقدر أنقلك بعد عمر طويل إن شاء الله للقدس؟ وبعدين في حد ضامن كيف الأوضاع تبقى وقتها؟ مش يمكن حتى أسوأ من هلا؟ 

أصبحت أكرهه فعلاً .. هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي، فأنا ما زلت هنا؛ لكن هذه المرة يأخذني الحلم وأتخيلني وسط حقول جدي (من أبي) الممتدة في قرية "بيت دجن" بالقرب من يافا .. حقول البرتقال والليمون والبطيخ .. تلك القرية التي تحول جزءاً كبيراً من أراضيها إلى شارع رئيسي يتمد ما بين يافا / تل أبيب والقدس بعد أن دمرت الأغلبية من بساتينها وأشجارها في محاولة لمحو التاريخ.  لم يستطيع جدي بعد الهجرة أن يعيش في محيط المخيم .. عاد من الأردن في بداية الستنيات وعاش في أريحا يعمل في بساتين الحمضيات ويزرع أرضه الصغيرة فيها .. ولم يعد إلى بيت دجن منذ غادرها في الـ 48.  كيف أمكنهم إقتلاع مجتمعات كاملة من أمهم الأرض .. الأرض التي كانوا يرونها إمتداداً لأجسادهم وأرواحهم .. بعُرف من؟  عموماً، طوبى لمن رحل .. فعاش ومات في الحلم؛  .. وطوبى لمن بقي .. لحماة الأرض "فلسطيينة الـ 48" الذين ما يزالو حتى اليوم يقفون شاهداً كنبتة الصبار المنغرسة في حلوقهم وذاكرتهم.  فليسقط الإحتلال ولتسقط أوسلوا وليسقط الحضارة والتحضر فعلاً.  

"لإيمتى راح بيضل الفلسطيين يقولوا: ياااه قديش كلشي إتغير وصار أسوأ، ووجعنا كبر، وجرحنا صار أعمق بعد ....؟  بعد النكبة والـ 48، بعد حرب الست أيام والـ 67، بعد أيلول الأسود، بعد إجتياح بيروت، بعد ما رحنا على تونس، بعد الإنتفاضة الأولى، بعد أوسلو، بعد الإجتياح والإنتفاضة التانية (غالباً نسيت أحداث) .. إنه طيب شو ضايل؟ .. وشو اللي لسة جاي؟ .. من وقت النكبة وإحنا كل يوم بنعيشه مليان نكبات!!" 

رأيته مقبلاً عليّ وفي يده جواز سفري .. إنفرجت أساريري، فأخيراً سأغادر هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي.  حملت حقيبة ظهري وإتجهت صوب جثته الضخمة الباردة، سلمني إياه وقال: مع السلامة.  لم أنظر إليه ولم أجد في جعبتي ما أرد به عليه، وإنطلقت في مساري بإتجاه المحطتين النهائيتين من المعبر.  

الثلاثاء، 15 أبريل 2014

رسالة إلى محمد عسّاف

عزيز محمد، وأتمنى أن تصلك رسالتي وأنت بخير وفرح وأمل ولأن يكون لدى صدرك الرحابة وسعة الافق لأن تتقبل ما سيأتي بها كوجهة نظر - أحدى المواطنات المهتمات في هذا الوطن العربي الممتد - على الأقل. 


أنا لست من متابعي التلفاز .. فلقد أخذت قرار منذ 10 سنوات تقريباً بمقاطعته تماماً بعد أن تدهورت محطاته وبرامجه ورسائلة وأدواته بسبب الظروف والواقع والأجندات (ليس فقط في المنطقة العربية وإنما بشكل عام).  وللعلم ، أنا لم أعد لمشاهدته خلال هذه السنوات العشرة الماضية إلا لسبيين.  الأول هو أحداث الربيع العربي ما بين تونس ومصر واليمن بشكل خاص.  والثانية كانت لمشاهدة الثلاثة حلقات الأخيرة من برنامج "الأراب أيدل" الذي كنت به وذلك بعد كمّ الضغوطات والتخجيلات التي واجهتها من الأصدقاء.  وللعلم أيضاً، بشكل أخلاقي ومهني عام، لدي تحفظات على البرامج الفنية التلفزيونية التجارية بما فيها البرنامج الذي كنت به، وتحديداً بكيفية العمل عليها والتعامل مع المتقدمين لها والمشاركين بها وتسخيرها .. لكن، قناعتي، برغم تحفظاتي، أنها لربما - حتى لو بالصدفة - تستطيع أن توفر فرص حقيقية لشباب وفتايات موهوبين يستحقون الدعم على مستويات مختلفة؛ وهذا أضعف الأيمان. 

خلال مشاهدة آخر ثلاثة حلقات، شدني الفخر بك وبكل الشباب العرب المشاركين الموهوبين؛ فرحت ودافعت عن كمّ الفرحة التي أدخلتموها إلى قلوب وبيوت الشعوب .. شعوبكم، وتحددياً في وقت وظروف أصابتنا جميعاً بالإحباط .. من الخليج حتى المحيط. وللأسف، لم أتابع ما حدث معك ومع الآخرين من المشاركين بعد إنتهاء البرنامج.  لكن كنت أسمع بعد الأخبار من خلال الأصدقاء كل فترة. 

أما الآن وقد وصلني لينك لأغنيتك الجديدة - "يا حلالي يا مالي" http://www.youtube.com/watch?v=jCOfMdXNSzs&feature=youtu.be - التي قمت بتصويرها في أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان، شعرت بحاجتي لأن أضع أمامك بعض إنعكاساتي ومن ثم أمنياتي وآمالي، وهي بشكل أساسي على ثلاثة محاور مترابطة جداً:  

الشكل والمضمون:
بدايةً، لم أر في الفيديو عسّاف الشاب الفلسطيني العربي بطبيعته وعفويته الحرة.  الشعر و"الميك أب" أكثر من اللزوم لدرجة تسلب الواقعية من المشهد وكذلك من الفكرة التي يحاول الفيديو وجلمتك في نهايته ترسيخها.  والملاحظة الثانية، هي أنني ولوهلة شعرت بأن الفيديو كليب هو إعلان تسويقي لمنتجين جديدين في ساحة المستهلكين؛ البوت الجولد-بليتد أو المذهب والبلوزة ذات الحطة الذهبية الحديثة.  ولم أفهم وجود العديد من المشاهد الأخرى في الفيديو التي حملت صور لأحذية رياضية - مختلفة وربما أكثر حقيقية ومنطقية بشكلها كأحذية رياضية - لشباب من المخيم (المفروض) وكذلك صور أخرى لك بالحطة البيضاء الحقيقية؛ وشعرت أيضأ بأن ذلك هي طريقة المنتج لعمل المقارنة أو المقاربة. 

أحترم تماماً حاجة المنتج والمخرج لإستخدام الميكياج والملابس لأسباب تقنية و"فنية" وتسويقية،  كما وأنني أعي أهمية الإستعانة بالشركات الكبرى الرأسمالية لدعم المشاريع الإبداعية وغيرهم من المشاريع المهمة، لكن أتمنى عليك أن تكون أكثر وعياً وحذراً من أن تؤدي هذه الأهداف أو أحدها إلى تشويه الطبيعية وتشويه الثقافة العامة والمضمون وبالتالي التأثير بشكل سلبي عليك وعلى مشاهديك وعلى تفاصيل أكبر.  ومثل صغير على ذلك: أنا لا يسعدني أبداً بأن تكون طرف من الأطراف الكثيرة التي تسعى إلى تشويه الثقافة التراثية والسياسية سوءاً للقضية الفلسطنية أو للمنطقة عبر إستبعاد الحطة الحقيقية وإستخدام ما تبقى منها من خلال رسم كمبيرتر مذهب على صدر البلايز العصرية.  أنا لست ضد التحضر والتقدم، لكن وبعد أن شهد التاريخ، ثقافات مات أهلها في محاولة لترسيخ هويتهم عبر تراثهم، فإن ذلك يطلب منّا أن نكون أكثر وعياً وعدم تخطي ذلك الخط الرفيع، ما بين التحضر وبين إنتهاك حرمة الثقافات والتراث. 

الرسالة والتمييز ..
تقديرك لأصلك وإنتماءك لمكانك ولقضيتك يمكن أن تعكسهم من خلال أشكال وأعمال متعددة وليس فقط من خلال إنتاج فيديو كليب في أحد المخيمات لا سيما وأن الفيديو كليب لم يعكس أي مضمون حقيقي تعكس هذه القضية، سواءاً بشكل خاص (المخيمات الفلسطينية في لبنان) أو بشكل عام (اللجوء كمفهوم ونتائج).  ولا أفترض هنا أن عليك التركيز على السيء أو المحزن فقط.  أسعدني جداً رؤية الفرح على الناس الموجودة في الفيديو وأتمنى أن يكون هذه هو حقيقة ما حدث على أرض الواقع حين تصوير الفيديو في المخيم. 

نحن بحاجة حقيقية لأشخاص وأرواح جديدة من المنطقة العربية (في كل المجالات) التي لديها الوعي والحافز والقدرة على أن تعمم ثقافة وفكر جديد.  الفنان صاحب رسالة ولديه السلطة والقدرة على توصيلها لجمهور كبير. وأنت يا عزيزي، صاحب أكثر من رسالة برأيي؛ كشاب، كفلسطيني، كلاجئ، كعربي، كفنان، وبالتأكيد لربما يكون لديك غيرهم بشكل شخصي.  وكمثال بسيط على ما أقوله؛ أنا لست ضد التغني بالرصاص الذي "يلولح بالعالي" ولكني مع تناوله بشكل أكثر وعياً وأكثر موضوعية وتحديداً بهذه المرحلة التاريخية التي يمر الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وتحديداً الشباب. 

التغني بالمقبول والركض خلف السائد والمضي فقط مع التيار الجارف لن يسمح لك أبداً بتأدية أية رسالة حقيقية يمكن لها أن تترك أثر أو تغيير إيجابي على أي مستوى.  من الضروري أن تختار رسائلك وترسم مسارك وتعمل بجد وصبر على تحقيقهم.  وبرأيي المتواضع، لو قدمت الأفضل أو قدمت الأسوا، كفنان، ستستطيع أن تكسب "جمهور"؛ لكن هناك فرق ما بين كسب الجمهور عبر فن حقيقي وناضج يطرح مضمون واعي وناضج ويساهم في عمل تغيير على مستوى الوعى والثقافة وبين كسبه عبر تكرير نفس الرسائل التجارية ذات الأهداف التسويقية التي لا تزال تلوث مجتمعنا وشبابنا وتؤدي إلى إبعادنا كل البعد عن القضايا الأهم لنا ولمجتمعاتنا ومحيطنا.  لربما تحتاج لوقت ما أن تقوم بإنتاج الإثنين سوياً لتستطيع تحقيق الكسب سواءاً جماهيرياً أو مادياً .. تمام؛ لكن أتمنى أن لا تغلب التسويقية والتجارية على فنك ولا أن تتوه في محاولة للبقاء ضمن "النخبة الفنية التجارية" وتخسر فنك الحقيقي. 

الشهرة والأضواء ..
كلنا نعلم بأن لدى الشعوب إشكالية حقيقية مع واقع أن أغلب من يصل إلى السلطة من السياسيين والمفكرين وغيرهم، ينفصلون تماماً عن أرض الواقع والناس والقضايا الحقيقية ويشكلون ما يسمى بـ "النخب السياسية" التي تعمل لمصلحتها الفردية أو المشتركة ما بينهم؛ وطبعاً جميعهم لديهم المبررات – من وجهة نظرهم لذلك – والتي يتمحور عدد منها حلول: أن "التيار جارف لرأي ورؤية الأغلبية" داخل هذه النخبة وكذلك هناك فكرة "أهمية الحصول على القبول" من هذه الأغلبية بهدف البقاء جزء منها وعمل شيء وبالتأكيد هناك فكرة العمل بحسب ما يرغبنه "السوق"، أو ما يقبله ويتوقعه الأغلبية من الناس.  بنفس المنطق والسياق تماماً، هنالك "نخب الأنجي أوز" و"النخب الثقافية" و "النخب الفنية" و"التجارية" وغيرهم.   أتمنى أن لا تتحول إلى رقم من أرقام هذه النخب المنزوعة من أرضها والبعيدة عن جذورها وناسها والتي تعمل لمصلحتها أو لمصالحهم المشتركة فقط فتقتل حلمك وحلمنا بك وبكل أمل صاعد.

في النهاية، مرة أخرى، أتمنى أن يتسع صدرك لأن تأخذ تأملاتي ورأيي على أنهم تخوفات وأمنيات لا تستهدف بأي شكل من الأشكال الإساءة إليك أو لقدراتك وإنما لتحفيزك على العمل أكثر على ما يمكن أن يتناسب مع ما أعلنته كمسؤوليتك ودورك، وأن يصقل ويرضي موهبتك، ويحقق حلمك ويرضي ضميرك. 

هانيــــة عَســـوَد

الأربعاء، 19 مارس 2014

أزمــة ..

شعر لـِ تشارلز بوكوفسكي
ترجمة: هانيــه عَســـوَد

أكثرُ مما ينبغي
أقلُّ القليلِ ..
سمينٌ جداً
نحيفٌ  جداً
أو لا أحد.

ضحكٌ أو دموعٌ.
كارهينَ
عشاقٌ ..

غرباءٌ بوجوهٍ مسطحةٍ
كظهورِ
دبابيسِ الألواح.

جيوشٌ تتراكضُ في
شوارعٍ داميةٍ
تلوحُ بزجاجاتِ النبيذِ
تذبحُ وتمتطي
العذارى.

رجلٌ مسنٌ في غرفةٍ رخيصةٍ
معْ صورةٍ لمارلينْ مونرو.

هنالكِ وِحدةٌ كبيرةٌ جداً في هذا العالم
يمكنكَ أنْ تراها في الحركةِ البطيئةِ
لأذرعِ الساعة.
الناسُ متعبةٌ جداً
مضللةٌ ..
إمّا منَ الحبِّ أو منْ عدمِ وجوده.

الناسُ ليسوا جيدينَ مع بعضهم البعضُ ..
كلٌ ضدَ الآخر.

الأغنياءُ ليسوا جيدينَ مع الأغنياءِ
الفقراءُ ليسوا جيدينَ مع الفقراءِ.

نحنُ خائفون.

نظامُنا التعليميُّ يُخبرنا
أننا جميعاً
يُمكننا أنْ نكونَ
الأغبياء-الفائزين ..
لكنه لم يُخبرنا
عنْ المزاريبِ
أو عن الإنتحار.

أو عن رعبِ شخصٍ واحدٍ
يتألمُ في مكانٍ واحدٍ
وحدهُ
غيرُ مرئٍ
غيرُ مُتحدثٍ إليهِ
يسقي نبتة.

الناسُ ليسوا جيدينَ مع بعضهم البعض.
الناسُ ليسوا جيدينَ مع بعضهم البعض.
الناسُ ليسوا جيدينَ مع بعضهم البعض.

أعتقدُ أنهم لنْ يكونو أبداً كذلك.
أنا لا أطلبُ منهمْ أنْ يكونوا كذلك.
لكنْ .. في بعض الأحيان، أفكرُ
في ذلك.

ستتأرجحُ الخرزاتُ
ستتكتلُ الغيومُ
والقاتلُ .. سيقطعُ رأسَ الطفلِ
وكأنهُ يأخذ قضمةً منْ مخروطِ آيس كريم.

أكثرُ مما ينبغي
أقلُّ القليلِ ..
سمينٌ جداً
نحيفٌ جداً
أو لا أحد.
والكارهينَ أكثرُ منَ العشاقِ.

الناسُ ليسوا جيدينَ مع بعضهم البعض.
ربما لو كانوا كذلكَ
موتنا لنْ يكونَ محزناً.

في الوقتِ ذاتِه .. أنظرُ إلى الفتياتِ الصغيراتِ
ينبتونَ
كزهورٍ الفرص.

يجبُ أنْ يكونَ هنالكَ وسيلة.
بالتأكيد ..
يجبُ أنْ يكونَ هنالكَ طريقةٌ لمْ
نفكر بها بعد.

منْ الذي يضعُ هذا العقل في داخلي؟
العقلُ يصرخُ
ويطالبُ
ويقولُ:
يجبُ أنْ يكونَ هنالكَ فرصة.

ولنْ يقولَ
"لا."